الفروع الرّئيسية

قائمة الصّفحات الشّخصية

حاليّا : 4 صفحات
فيديوهات الشيخ عبد الم...
العلم نور والجهل ظلام
عبدالسلام
Amine CHERIF ZAHAR

الحلم والغضب

تقييم المستخدم:  / 1
سيئجيد 

أيها الناس! ما عُرِفَ على هذه الأرض -ولن يعرف- مظلوم من البشر اجتمع الناس على ظلمه، وما توقفوا  عن وصفه بأحدِّ ما وضعوا من ألفاظ سيئة، في التكذيب بنبوته نور في دعوته، وصدق في حديثه، وثقة في أمانته مثل رسول الله -بأبي هو وأمي- صلوات الله وسلامه عليه، فلقد نال الشتائم والسباب من كافة طبقات المجتمع، فقد هجاه شعراء، وسَخِرَ منه سادة، وآذاه السفهاء، ونال منه الصعاليك.

 

ولقد شاء الله -سبحانه- أن يأتي اليوم الموعود الذي يفتح الله فيه على نبيه صلى الله عليه وسلم بـ مكة ، حتى إذا ما دخل بالبيت وطاف جلس بالمسجد، والناس من حوله، والعيون شاخصة إليه، والقوم منتظرون لصنيعه بأعدائه شبابهم وشيوخهم، فقال كلمته المشهورة: { يا معشر قريش! ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخٌ كريم وابن أخ كريم، قال: فإني أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم! اذهبوا فأنتم الطلقاء } فيسلم حينها العظماء ويتوبون، كأمثال: هند بنت عتبة ، و عكرمة بن أبي جهل ، ويئوب الشعراء، ويعتذرون إليه؛ كـ ابن الزبعري و كعب بن زهير ، فلا ينال الجميع منه إلا العفو والتغاضي.

الله أكبر! ما أجمل العفو عند المقدرة!

والله أكبر! ما أجمل السعة عند الضيق والعزة عند الذلة!

ومن أحق بذلك إن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق الله إذ يقول: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم:4].

أيها المسلمون! بهذا الموقف وبغيره من المواقف العظيمة عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم محو الجاهلية، وقطع ظلامها، بأنواع المعرفة والإرشاد، ومنع الفساد فيها بحلمه وعفوه { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [آل عمران:159].

لقد كفكف الرسول صلى الله عليه وسلم من نزوات الجاهلية، وأقام أركان المجتمع على الفضل وحسن التخلق، ونبذ الجهل والغضب، وكثير من النصائح التي أسداها للناس كافة كانت تتجه إلى هذا الهدف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر } رواه البخاري و مسلم .

الحلم -أيها المسلمون-: في موطن الغضب سيادة على النفس، وضبط لها، وكبح لجماحها، كما أنه لباس العلم، فمن فقده فقد تعرَّى وبدت للناس سوءته، وهل يجيء الباطل بخير؟

ألا إن الغضب قرين الشر، وإن الحلم راحة القلوب وسعادة الجماعات.

إن التفاوت بين الناس بعيد الشقة مع أنهم من أبوين اثنين، فإن اختلافهم في أوضاعهم وخلالهم مثار امتحان بالغ الجدوى، ولذا قال جلَّ شأنه: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } [الفرقان:20] ففي الناس الحليم الأريب المتأني، الذي إذا استنفرته الشدائد أبقى على وقعها الأليم، محتفظاً برجاحة فكره؛ وسجاحة خلقه، فلا يحمى من قليل يسمعه فيوقعه في كثيرٍ يكرهه، ولا يفضح نفسه ليشفي غيضه، فإن جهل عليه لم ينفعه إلا حلمه، ويا للعظمة والعلو! إن فعل كفعل قيس بن عاصم ! وقد أتوه برجل قد قتل ابنه، فجاءوا به مكتوفاً، فقال: أطلقوه، واحملوا إلى أم ولدي ديته فإنها ليست من قومنا .

وإن في الناس الطائش الأهوج، كما أن فيهم الغر المتسرع الذي تسخفه التوافه فيستحمق على عجل، ويكون لسانه وفعله قبل قلبه وعقله، فلا يلزم نفسه ولا يتريث، بل يهذي بكلامه ويتخبط يمينا و شمالا في أفعال يحتاج بعدها إلى اعتذار، وتلفيق، فيقع فيما نهى عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: { ولا تتكلم بكلام تعتذر منه غداً } رواه أحمد و ابن ماجة .

 

إذ لا ينفعه الاعتذار حينئذٍ؛ لأنه إذا استثير ورأى لهب الغيظ اشتعل، وأفسد الأمور في غيبة وعيه، وغلبة عاطفته، فلم يدع لإصلاحها مكاناً، فإن نصح كأن على بصره غشاوة، وإن ذكر كأن في أذنيه وقرا من الغيظ، وهذه هي علة الحمق الكامنة، ولقد رأينا الغضب يشتط بأصحابه إلى حد الجنون، عندما تقتحم عليهم نفوسهم، ويرون أنهم حقروا تحقيراً لا يعالجه إلا سفك الدم، ولو كان المسلم يعيش من وراء أسوار عالية من فضائل أَتراهُ يُحس بوخز الألم على هذا النوح الشديد؟!

لا. وكلا! بل إن الإهانات تسقط على قاذفها قبل أن تصل إلى مرماها البعيد، ولا غرو! إذ لا تعود الجمرة إلا على موقدها الأول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { المستبان ما قالا، فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم } رواه مسلم .

 

فلا ينبغي للمؤمن الكبير أن يضيق بهرف قطعان متناثرة، بل إن المصلح العظيم يفيض يترفع عن السفهاء حتى يلجئهم إلى الخير إلجاء، فيطلق ألسنتهم تلهج بالثناء والذكر الحسن.

إن من الناس من لا يسكت على الغضب، فهو شخص غضوب في ثورة دائمة، وتغيِّض يطبع على وجهه العبوس، إذا مسه أحدٌ بأذى ارتعش كالمحموم، وأنشأ يُرغي ويزبد ويلعن ويطعن، وكثيراً ما يذهب به غضبه مذاهب حمقى، فقد يسب الباب إذا استعصى عليه فتحه، وقد يلعن دابة جمحت به، أو يظلم امرأته ويكسر ضلعها ويضيع أمرها، فيفرق شمله في نقصان ملح أو يبوسة خبز، ثم يطلقها بعدد نجوم السماء!! فيتهارشان تهارش الكلبين، ويتناقران تناقر الديكين، فلا يفترقان إلا عند الخدش والعقر والهجر، فيجني كل منهما على نفسه بالحرمان والعقوبة، والنتيجة الحاصلة هي يُتم الأولاد في حياة الأبوين.

 

والإسلام بريء كل البراءة من هذه الخلال الكدرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، والفاحش، ولا البذيء } رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن.

ثم لا تسألوا بعد ذلك -أيها المسلمون- عن ندم الزوجين -ولات ساعة مندم- فيختلقون المعاذير، ويراجعون القضاة والمفتين، كل ذلك لمحو غلطة ارتكبها الغاضب دون تفكير أو روية، أو تدرج في التأديب، مما تسبب في هدم لبنة كان بإمكانه معالجتها لو ملك عقله، وأشهر حلمه، وكفَّ غضبه، وما ذنب الولد إذا خرج من بيته هلعاً مكفهراً وجهه، ضائقاً صدره، ينطلق يمنة ويسرة، يبحث عن سبب يُزيل به همه ويجلو غمه، ولربما استبشر به وبأمثاله وحوش الظلام، وذئاب المجتمع، فيسير وراء تخبطهم ويضيع بضياعهم في طريق المسكرات والمخدرات.

كلُّ ذلك نتيجة غضبة من أبيه أو أمه أعقبها سبٌ وشتم ولطم، وربما طرد ولعن، فيتبدد بذلك شمل الأسرة، وتقوض المجتمعات، فيكسب في كل يوم عدو، ويفقد صديق، ويُهدم بيت، فلا حول ولا قوة إلا بالله .

عباد الله! اعلموا أن الحليم إما أن يكون عاجزاً جباناً ليس له شيء ولا عليه شيء، فهذا إن لم يغنم فإنه لا يأثم، وإن ادعى الحلم مع عدم الاقتدار على إنفاذ العقوبة فهذه حجة لا يلجأ إليها إلا اللئام من بني البشر، وإما أن يكون مُخادعاً مكَّاراً، ظاهره سمت المؤمنين، وباطنه حقد المجرمين، يتحلَّم ظاهراً ويعفو علناً، ولكنَّه يغضب باطناً وينتقم مسرفاً، فهذا حقود لدود ينقلب على المجتمع من سوء صنيعه سوساً كطبع السوس، لا يقع على شيء إلا نخره أو عابه، أو دوداً كطبع الدود لا يقع في شيء إلا أفسده وكدَّره.

ومثل هذا لا يلبث أن يفضحه الله على رءوس الخلائق.

وإما أن يكون حليماً مفطوراً على الخير مجبولاً عليه، وهذا كـ أشج عبد القيس ، الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، فقال: أشيء تخلقت به أم جُبلت عليه يا رسول الله؟ فقال: لا، بل جُبلت عليه، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله } رواه مسلم وغيره.

وإما أن يكون ثائر النفس، أزعجه من ظلمه، فيصبر محتسباً ويصفح قادراً، ويأمره إيمانه بالعرف والعفو عن الجاهلين، وهذا هو المُثاب في الدنيا والآخرة، والمشكور عند الله ومن ثمَّ عند خلقه، وهو الموصوف بالشدة والقوة، كما في قول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: { ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب }.

رواه البخاري و مسلم .

وهو المقصود -أيضاً- في قول النبي صلى الله عليه وسلم: { من كتم غيظاً وهو قادرٌ على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يُخيرِّه من الحور العين يزوجه منها ما شاء } رواه أحمد .

 

أعاذنا الله وإياكم من الغضب ومن سوءه وآثاره، ورزقنا الحلم والتحلَّم إنه سميع قريب { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران:133-134].

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

فاتقوا الله أيها المسلمون! واعلموا أنه يجب علينا أن نعمل بتعاليم ديننا الحنيف، وأن نأخذ بإرشادات نبينا صلى الله عليه وسلم، كما يجب علينا أن نقصر أنفسنا عن الغضب، ولا نتسرع فيما يعود علينا بالحسرة والندامة -ولات ساعة مندم- والمرء المسلم مطالبٌ بكتمان غيظه، وإطفاء غضبه بما استطاع من تحلم وتصبر، واستعاذة بالله من النفس والهوى والشيطان.

واسمعوا -رعاكم الله- وصية من وصايا المصطفى صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فيما رواه البخاري في صحيحه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: { أوصني! قال: لا تغضب، فردد مراراً! قال: لا تغضب }

والمراد من الحديث هو: ألاَّ يعمل المرء بمقتضى الغضب إذا حصل له، بل يُجاهد نفسه على ترك تنفيذه؛ فإن الغضب إذا ملك ابن آدم كان هو الآمر الناهي له، ولهذا المعنى قال الله عز وجل: { وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ } [الأعراف:154] فإذا ما جاهد المرء نفسه اندفع عنه شر الغضب، وذهب عنه عاجلاً فكأنه حينئذ لم يغضب، وإلى مثل هذا وقعت الإشارة في القرآن بقول الله عز وجل { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } [الشورى:37]، وقوله: { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } [آل عمران:134]

ويختلف الغضب في دنيا الناس إذ يتراوح صعوداً وهبوطاً باختلاف الأحوال والظروف، ولكنه من خلال الإطار الشرعي العام لا يخرج عن ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: مرتبة الاعتدال؛ بأن يغضب ليدافع عن نفسه وعن دينه أو عرضه أو ماله، ولولا ذلك لفسدت الأرض بانتشار الفوضى وتقويض نظام المجتمع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قُتل دون نفسه فهو شهيد } رواه أحمد و ابن حبان .

المرتبة الثانية: أن ينحطَّ الغضب عن الاعتدال بأن يضعف في الإنسان أو يفقد بالكلية، وهذه الحال مذمومة شرعاً، لا سيما إذا تعلقت بحرمات الله وشعائره، قالت عائشة رضي الله عنها: [[ ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يُجاهد في سبيل الله، وما نيل منه قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى ]] رواه مسلم .

والمرتبة الثالثة: أن يطغى الغضب على العقل والدين، ولربما جرَّ صاحبه إلى ارتكاب جرائم كبيرة، وموبقات كثيرة، ولا يمكن التخلص من هذه العقبة إلا بفعل ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { إذا غضب أحدكم فليسكت } رواه أحمد .

 واستب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فاحمرَّ وجه إحداهما غضباً، فقال صلوات الله وسلامه عليه: { إني لأعلم لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد } رواه البخاري و مسلم .

You have no rights to post comments

Facebook/فيس بوك